26 أبريل 2012 - 19:30

...ومشهدٌ آخر من مشاهد هذه الماساة في هذا الوطن، وصورة أخرى مِن صور هذا الظلم في هذا البلد... الناشط الحقوقي "عبد الهادي الخواجة" يمرُّ بالمرحلةِ الحرجة جدًا في حياته، حيث امتنع أخيرًا عن شرب الماء، إنَّها قضية تختصر مأساةَ شعبٍ، ومأساةَ وطنٍ، ومأساةَ حريةٍ، ومأساةَ ضميرٍ...

ابنا:

حديث ليلة الجمعة بتاريخ 26 إبريل 2012 م - مسجد الإمام الصادق(ع) بالقفول

وماذا عن أوضاع هذا البلد؟

الأوضاع مأساويَّة للغاية، ويكذب مَنْ يقول أنَّ الأمور في البحرين بخير، ومهما حاولت أدوات التلميع والمكيجة الرسميَّة أنْ تستر الوجه القبيح لسياسة البطشِ والفتكِ فهي عاجزة وفاشلة، وإذا كان الإصرار على إقامة سباق (الفُورمُولا 1) هو مِن أجلِ إقناع العالم أنَّ الأوضاعَ هنا طبيعية وهادئة، والأمنُ مستقرٌّ كلَّ الإستقرار.

فقد جاءت النتيجة على خلافِ ما يبغي النظام، فإعلام العالم الذي تمركز حول البحرين في هذه الأيام لم يتمركز حول حَلَبة السباق، بل استقطبته أحداثُ الشارع، والمسيرات، والاحتجاجات، والغضب الشعبي، والاستخدام المفرط لأدوات القمع من قبل رجال الأمن، خاصة وقد تزامن هذا السباق مع سقوط شهيد من شهداء هذا الوطن وهو الشهيد "صلاح عباس حبيب" (37 عامًا) حيث تمَّ – حسب ما أفاد شقيقه – إطلاق الشوزن باتجاهه، ثمَّ اختفت أخبارُه، إلى أنْ عُثر عليه جثَّةً ملقاةً في إحدى مزارع الشاخورة، هكذا يتعاملون مع أبناء هذا الوطن، وإذا كان لا بدَّ من تقديم هدية ثمينة للمشاركين في هذا السباق فليس أثمن من هذه الهدية، شاب بريئ مسالم، خرج مطالبًا بحقوقه العادلة المشروعة، فكان جزاؤه عددًا من رصاصاتِ الشوزن، والاختطاف، والتعذيب الوحشي، ثمَّ القتل بطريقة فيها الكثير من البشاعة والشناعة حسب ما أفاد أطباء وحقوقيون ونشطاء، وأخيرًا رُمي كما تُرمى القمامة في إحدى المزارع، مخلفًا زوجةً منكوبةً وخمسةً من الأولاد يتجرَّعون الآلام والآهات واليتم لفقد والدهم وكافلهم، كم هي المآسي كبيرة وكبيرة في وطني، وكم هو الظلم فاحش وفاحش حيث طال الأرواح والأموال والأعراض والمقدَّسات، فإلى متى ستبقى المأساة، وإلى متى سيبقى الظلم؟ مَحالٌ مَحالٌ أنْ تستمر مأساةٌ، وأن يستمر ظلم، إنَّها سنة الله في الأرض، ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب/ 62)، ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر/43).

ومشهدٌ آخر من مشاهد هذه الماساة في هذا الوطن، وصورة أخرى مِن صور هذا الظلم في هذا البلد... الناشط الحقوقي "عبد الهادي الخواجة" يمرُّ بالمرحلةِ الحرجة جدًا في حياته، حيث امتنع أخيرًا عن شرب الماء، إنَّها قضية تختصر مأساةَ شعبٍ، ومأساةَ وطنٍ، ومأساةَ حريةٍ، ومأساةَ ضميرٍ...

ورغم كلِّ النداءات، ورغم كلِّ المطالبات، ورغم كلِّ الاستغاثات، فإنَّ السُّلطة في هذا البلد مصرَّةٌ كلَّ الإصرار أن تقابل كلَّ تلك النداءات والمطالبات والاستغاثات بأُذنٍ صمَّاء، ومصرَّةٌ كلَّ الإصرار أنْ يموتَ كلُّ الأحرار وكلُّ الشرفاء ما دام في ذلك استجابة لنزوة جلَّادٍ يتلذَّذ بعذاباتِ أبناءِ هذا الوطن، ووينتشي لرؤيةِ أرواحٍ تُزهق، ودماءٍ تُسفك، وأعراضٍ تهتك...

إنَّنا نحمِّل السلطة مسؤوليَّة كلَّ التداعيات والنتائج إذا أصاب هذا الإنسان مكروه، فلن يكون موتُه حدثًا عابرًا، فمن مصلحة هذا الوطن أن تعيد السلطة حساباتها في التعاطي مع هذه القضيَّة، بل مع جميع قضايا الوضع الراهن...

لا زالتْ هناك بعضُ مصداقيَّةٍ للمطالبة بالإصلاحاتٍ السِّياسية، ولا زالتْ هناكَ بعضُ فرصة لتدارك ما فات...

إلَّا أنَّ مسارَ الأوضاعِ إذا استمر في الاتجاهِ الراهنِ، وفي طريق التصعيد الأمني، وإلى مزيدٍ من البطشِ والفتكِ والقتلِ، فلا أظنُّ أنَّ شيئًا من تلك المصداقية في المطالبة بالإصلاح السِّياسي سوف تبقى، وهي بالفعل قد ماتتّ لدى مساحاتٍ كبيرةٍ في الشارع والتي تحوَّلت إلى شعارات أكبر من ذلك، فهل تُصغي السلطة للنداءات قبل فوات الأوان، وقبل أن تموت الفرصةُ الأخيرة، وليس في هذا دعوة إلى المسارات الأصعب، ما دام هناك بعضُ أملٍ أنْ تعالج الأمور بالعقل والحكمة، وأخشى ما نخشاه أنْ تموت هذه البقيةُ من الأملِ، والتي ماتت بالفعلِ لدى الكثيرين الكثيرين، وبدأ هذا الموتُ يزحف إلى نفوس قُوى سياسية ورموزٍ ناشطة، كانت تراهن على مشروع الإصلاح السياسي، وإذا مات الأملُ لدى هؤلاء فالمسارات سوف تتغيَّر تمامًا، فليصغِ النظام إلى نداءات العقل، فكلَّما ازداد البطشُ والقمع ازداد الناسُ إصرارًا في الدفاع عن مطالبهم العادلة، وكلَّما سقطت قطرة دمٍ كانت وقودًا لاستمرار الحراك، وكانت شرارةً لاشتعالِ الغضب، وكانت شُحنةً في اتجاه المفاصلةِ مع النظام، فكفاكِ أيَّتها السلطة مِن دماء هذا الشعب ما أصبتِ، وكفاكِ من الأرواح ما أزهقتِ...

وكفاكِ أيَّتها السلطة استخفافًا بإرادة هذا الشعب الذي يطالبُ بإصلاحاتٍ حقيقيةٍ شاملةٍ، وليس بتعديلات دستورية شكلية باهتةٍ، وليس بترقيعاتٍ مشوَّهةٍ، ولا بتعييناتٍ وزاريةٍ خاوية... الأمر الذي لا يعبِّر عن نيَّةٍ جادَّةٍ وصادقةٍ في التغيير، ولا يُعبِّر عن استجابةٍ لطموحاتِ هذا الشعب، ولا يتماهى مع إرادته، وإصرارِه، وحراكِه...

لا زالت المسافة كبيرةً جدًا بين تعديلاتٍ صاغها البرلمان وفق مقاساتِ النظام، ووفقَ رغباتِه، وسياساتِه، وإصلاحاتٍ جذريةٍ تعبِّر عن إرادة الشعب، وتستجيبُ لمطالبه، وتُصاغ حسب مصالحه...

وما دامتْ هذه المسافة كبيرة وواسعة، فسوف تبقى مساراتُ الأزمة السِّياسية في هذا البلد تتَّجه نحو التعقيد والتصعيد ونحو مزيدٍ من الاحتقان والغليان...

المطلوبُ هو الاقترابُ من إرادةِ الشعب، من مطالبه، من طموحاتِه، وليس الابتعاد أكثر عن هذه الإرادة، وهذه المطالب، وهذه الطموحات...

إذا كان هناك تفكيرٌ جادٌّ وصادقٌ في رسم خارطةِ إنقادٍ لهذا الوطن مِن مآزقه وأزماته، فليس إلَّا مِن خلالِ ما تعبِّر هذه الخارطةُ من تناغم حقيقي مع إرادةِ الشعب ومطالبه وطموحاته، وإلَّا فالمسارُ تائهٌ لن يقودَ البلد إلَّا إلى الدَّمار...

...............

انتهي/212